ألغاز الطبيعة: ما يُرى ولا يُمسك
أقدم ما توارثه الناس من ألغاز يدور حول ما يرونه في السماء والأرض. من أشهرها: ما هو الشيء الذي يمشي بلا رجلين ويبكي بلا عينين؟ والجواب السحاب، فمشيه انتقاله مع الريح وبكاؤه مطره. ومنها: ما الذي يدخل الماء ولا يبتلّ؟ والجواب الظلّ أو الضوء، لأن الماء يمرّ فيه ولا يمسك به شيء. ومنها: يتبعك ولا تستطيع الإمساك به، ويكبر ويصغر في اليوم مرتين، والجواب الظلّ أيضاً لتغيّر طوله مع ميل الشمس. لاحظ أن الحيلة في هذا النوع واحدة: يُوصف الجماد بصفات الأحياء فيمشي ويبكي ويتبع، فينشغل الذهن بالبحث عن كائن حيّ. ومن عرف هذه الحيلة صار يقلب السؤال أول ما يسمعه ويسأل: أي جامد يفعل هذا الفعل؟ ومن هذا الباب أيضاً لغز قديم: ما الذي يجري ولا يمشي، ويمرّ ولا يعود؟ وجوابه النهر عند قوم والزمن عند آخرين.
ألغاز البيت والأدوات
الدائرة الثانية من الألغاز الشعبية تدور حول ما في البيت، وهي الأقرب إلى الأطفال لأن جوابها أمام أعينهم. منها: له أسنان ولا يعضّ، والجواب المشط. ومنها: لها عين واحدة ولا ترى، والجواب الإبرة. ومنها: بيت لا باب له ولا نافذة، ومن سكنه خرج منه بكسره، والجواب البيضة. ومنها: كلما طال عمره قصر جسمه، والجواب الشمعة. الحيلة هنا لغوية بحتة، وتقوم على الكلمات المشتركة بين الإنسان والأشياء: السنّ والعين والبيت والرأس والرقبة. فالمشط له أسنان بالتسمية لا بالوظيفة، والإبرة لها عين هي ثقبها. لهذا فإن أول خطوة في حلّ هذا النوع أن تسأل عن كل كلمة في اللغز: هل تحتمل معنى آخر؟ فالباب الذي يفتح اللغز غالباً كلمة واحدة تحمل معنيين.
ألغاز التفكير المقلوب
النوع الثالث لا يعتمد على وصف ولا على اشتراك لفظي، بل على قلب البديهة. منها: ما هو الشيء الذي كلما أخذت منه كبر؟ والجواب الحفرة، لأن الأخذ منها زيادة فيها لا نقص. ومنها: شيء يكتب ولا يقرأ، والجواب القلم. ومنها: شيء هو لك ويستعمله الناس أكثر منك، والجواب اسمك. ومنها: يجيبك كلما ناديته ولا لسان له، والجواب الصدى. هذه الألغاز تختبر قدرتك على تعليق القاعدة التي تحفظها: أن الأخذ ينقص، وأن الكاتب يقرأ، وأن ما هو لك تستعمله أنت. من يحلّها يبدأ بسؤال معاكس: ما القاعدة التي يخرقها هذا اللغز؟ ثم يبحث عن الحالة التي تصحّ فيها الجملة. وهي أنفع الأنواع للتمرين لأنها تدرّب على مراجعة المسلّمات لا على استرجاع المعلومات.
كيف كانت تُروى ولماذا تختلف الإجابات
لم تكن هذه الفوازير مجرد تسلية، بل كانت وسيلة تعليم في مجالس لا كتب فيها. تُلقى على الصغار في السهرات وليالي الشتاء فتدرّبهم على الإصغاء والوصف والصبر على التفكير، وتحفظ في الوقت نفسه مفردات قديمة كانت تندثر لولا اللغز. ولأنها انتقلت بالرواية الشفوية لا بالكتابة فقد تعددت صياغاتها؛ فاللغز الواحد تجده بألفاظ مختلفة بين بلد وآخر، وقد يقبل أكثر من جواب صحيح. اللغز الذي جوابه الظلّ يقبل في بعض الروايات جواب الضوء، وذلك ليس خطأ من أحد بل اختلاف في الصياغة الأصلية. لهذا إذا اختلفتم في مجلسكم على جواب، فالمعيار أن يستوفي الجواب كل أوصاف اللغز؛ فإن استوفاها جوابان فكلاهما مقبول ولا داعي للخصومة. ومن اللطيف أن تسأل كبار العائلة عن الرواية التي يعرفونها، فقد تسمع صياغة أقدم وأجمل من التي بين يديك.









